الأحد، 17 أغسطس 2014

الفصل الأول : عائلة المشايخ

قصة على مبارك
فى عهد (محمد على )الكبير ، كان الحكام يفرضون الضرائب الباهظة على الفلاحين ، ومن يتأخر عن تسديد هذه الضرائب يجلد ويهان ، ويلقى به فى السجن . وكان الفلاحون الفقراء العاجزون عن دفع الضرائب ، يفرون من بلدهم ، تاركين أرضهم ؛ خوفاً من الجلد والسجن ، ويذهبون إلى بلد لا يعرفهم فيه أحد ، ولا تصل إليهم يد الحاكم الظالم . 
وفى قرية من قرى مديرية الدقهلية تسمى ( برنبال الجديدة ) ، استقرت فيها أسرة ( على مبارك ) بعد فرارها من قريتها الأولى ( الكوم والخليج ) على ( بحر طناح ) ، وقد طابت الحياة لأسرة ( على مبارك ) فى ( مقرها الجديد ) ، وكثر عددها حتى قاربوا المائتين ، وعرفوا باسم ( عائلة المشايخ ) ؛ فقد كان فيهم المشايخ الذين يعرفون القراءة والكتابة والحساب ، وشيئاً من العلم الدينى الذى يحتاج إليه أهل القرى . 
وكان منهم القضاة الذين يحكمون بين المتنازعين .. والأئمة الذين يصلون بالناس الصلوات .. ويخطبون لهم الجمع والأعياد .. ومن يعقدون لهم عقود الزواج .. 
لهذه الأسباب ، كانت هذه الأسرة محل احترامٍ كبير ٍمن أهل القرية .. كما كانت محل احترام وتقدير من الحكومة . لذلك أعطتها الحكومة قطعة من الأرض ، تزرعها وتنتفع بغلتها ، وتستعين بها فى أداء الأعمال الخيرية التى تقدمها لأهل القرية .. 
وزيادة فى تقدير الحكومة لها ، أعفتها من جميع الضرائب .. وفى تلك الأيام ، ولد لرب الأسرة الشيخ ( مبارك ) ولد سماه ( على ) ، كان لميلاده فرحة كبيرة فى القرية كلها ؛ مجاملة لأبيه الشهم العطوف ، الذى يخدم أهل القرية ، ومجاملة لأمه الكريمة التقية ، التى لم تكن تلد من قبله سوى الإناث ، وكان ذلك فى عام 1823 ميلادى 1239 هجرى . 
وقضت القرية كلها أياماً سعيدةً ، تزف فيها التهنئة الخالصة للأسرة المحبوبة ، راجية أن يكون الوليد قرة عين لأمه وأبيه ، وبشير خير لأسرته وللقرية جميعها . 
لكن هذه الفرحة لم تدم طويلاً ؛ فقد زادت الحكومة الضرائب زيادة كبيرة ، وضج الناس ، وعجزوا عن الدفع ؛ لأنه ليس لديهم مال يدفعونه لهؤلاء الحكام ، الذين لا يشبعون من المال . ولم تنج أسرة الشيخ ( مبارك ) من هذه الضرائب ؛ فقد فرضت الحكومة الضرائب على كل الأراضي التى تحت يديه ، بما فيها الأرض التى كانت الدولة أعطتها له ؛ ليستعين بها على أعمال الخير . وزاد الأمر سوءاً ، حين أجبرته مثل غيره من الناس على قبول قطعة أرض أخرى فر منها اصحابها ، وتركوها بما عليها من الديون المتأخرة التى عجزوا عن سدادها ، وأوجبت عليه أن يؤدى جميع تلك الديون سريعاً . 
وأمام العذاب الذى ينزل بمن لا يسددون أو يتأخرون عن السداد ، اضطر الشيخ ( مبارك ) أن يبيع ما يملك حتى أثاث المنزل ، لكن ذلك كله لم يكف بالضرائب ، فماذا يعمل وأبواب السجون مفتوحة على مصاريعها ؟ 
لم يبق أمام الشيخ الكريم ، إلا أن يصنع ما صنع أجداده ، حين فروا من قرية ( الكوم والخليج ) ولم يتمهل ، واستتر بالليل وظلامه الشديد ، وسار بأهله تاركاً قريته ومديريته كلها ، مبتعداً عنها ، متجهاً إلى ناحية الشرق ، وكان عمر ( على مبارك ) فى هذا الوقت نحو ست سنوات . 
وكلما وجد الشيخ ( مبارك ) المكان الذى ينزل فيه قلقاً به ، غادره مسرعاً إلى غيره حتى بلغ مديرية الشرقية ، وأبعد المسير فيها ، وانتهى الرحيل به إلى البدو فى الصحراء قريباً من القرى ، يرعون الأغنام ويسكنون خيام الشعر ، يسمون ( عرب السماعنة ) . 
فارتاح لهم ، ونزل بينهم ، وسر بهم لشهامتهم وكرمهم ، وسروا به ؛ لأنهم وجدوا فيه الرجل الذى كانوا يبحثون عنه ، فقد كانوا يبحثون عن فقيه يرجعون إليه فى أمور دينهم ودنياهم ، وكان الشيخ ( مبارك ) رجلاً صالحاً ، حسن الأخلاق ، فأحبوه حباً شديداً ، وبنوا له جامعاً ، وجعلوه إماماً لهم . 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق